مجموعة مؤلفين

218

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

فلا تحمد إلا نفسك ، ولا تذم إلا نفسك ، وما يبقى للحق إلا حمد إفاضة الوجود لأن ذلك له لا لك » « 1 » في هذا الفص يشرح ابن عربى جانبا من نظريته في وحدة الوجود ، وفكرته عن الخلق ، ويشير إلى مذهبه الجبري في طبيعة الوجود بوجه عام ، وطبيعة الحياة الخلقية بوجه خاص . كل ما في الوجود الظاهر إنما هو صورة لما كان عليه في حال ثبوته الأزلي لا بد من ذلك ، ولا يمكن تصور غيره . ولكن إذا كان كذلك فمن الموجود ؟ أهو « الحق » أم « الخلق » ؟ هذه في نظر ابن عربى مسألة اعتبارية ؛ فإن قلت إن وجودك الخارجي هو وجود الحق لا وجودك ، كان الحكم لك من حيث أنك صورة « الحق » في هذا الوجود ، لأنك تعينه وتعطيه صفاتك ، وإن ثبت في نظرك أن لك وجودا ، كان لك الحكم أيضا ، ولم يكن للحق حكم فيك إلا إفاضة الوجود عليك ، وفي هذه الحالة لا تحمد إلا نفسك ، ولا تذم إلا نفسك . أما « الحق » فيجب أن تحمده دائما لإفاضته الوجود عليك . إن للّه إرادة ، ولكنها تتعلق بالناحية التي تقتضيها « الأعيان الثابتة » ، فهو يريد كذا أو كذا ، أي يخرج إلى الوجود الشئ المراد على نحو ما هو عليه في عينه الثابتة ، وعلى نحو ما علمه ، ولكن علمه تعالى شئ تعطيه الأعيان الثابتة عن نفسها . وهنا يفرق ابن عربى بين الأمر التكويني والأمر التكليفي . فظهور العاصي بمعصيته ، والمطيع بطاعته ، خاضع للأمر التكويني ، لأن العاصي والمطيع إنما يفعلان ما اقتضته طبيعة العين الثابتة في كل منهما ، وقد قضى اللّه أن يكون ذلك كذلك منذ الأزل . ولكن الذي اقتضته العين الثابتة ، وقضى به « الحق » إنما هو فعل فقط ، لا يوصف بأنه في ذاته طاعة أو معصية . ولذلك لا يقال إن الحق قدر المعصية أزلا وقضى بظهورها . وإنما يسمى

--> ( 1 ) الفصوص : ص 83 .